الشوكاني
81
فتح القدير
والأنعام قد تقدم الكلام عليها ، والأناسي جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه . وقال الفراء والمبرد والزجاج : إنه جمع إنسي ، وللفراء قول آخر : إنه جمع إنسان ، والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين ، فجعلوا الباء عوضا من النون ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ) ضمير صرفناه ذهب الجمهور إلى أنه راجع إلى ما ذكر من الدلائل : أي كررنا أحوال الإظلال ، وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ( فأبى أكثرهم ) إلا كفران النعمة وجحدها . وقال آخرون : إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر : أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة ، فنزيد منه في بعض البلدان وننقص في بعض آخر منها ، وقيل الضمير راجع إلى القرآن ، وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال - تبارك الذي نزل الفرقان على عبده - وقوله - لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني - وقوله - اتخذوا هذا القرآن مهجورا - والمعنى : ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ليذكروا به ويعتبروا بما فيه ، فأبى أكثرهم ( إلا كفورا ) به ، وقيل هو راجع إلى الريح ، وعلى رجوع الضمير إلى المطر ، فقد اختلف في معناه ، فقيل ما ذكرناه . وقيل صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورذاذا ، وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به والطهارات . قال عكرمة : إن المراد بقوله - فأبى أكثر الناس إلا كفورا - هو قولهم : في الأنواء مطرنا بنوء كذا . قال النحاس : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم : مطرنا بنوء كذا . وقرأ عكرمة " صرفناه " مخففا ، وقرأ الباقون بالتثقيل . وقرأ حمزة والكسائي " ليذكروا " مخففة الذال من الذكر ، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر بينهم ، ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا ، وهو أنت يا محمد ، فقابل ذلك بشكر النعمة ( فلا تطع الكافرين ) فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم ، بل اجتهد في الدعوة وأثبت فيها والضمير في قوله ( وجاهدهم به جهادا كبيرا ) راجع إلى القرآن : أي جاهدهم بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع والزواجرات قال والأوامر والنواهي . وقيل الضمير يرجع إلى الإسلام ، وقيل بالسيف ، والأول أولى . وهذه السورة مكية ، والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة . وقيل الضمير راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله ( فلا تطع الكافرين ) وقيل الضمير يرجع إلي ما دل عليه قوله - ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا - لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها ، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات ، فكبر جهاده ، وعظم وصار جامعا لكل مجاهدة ، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد . ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا على التوحيد فقال ( وهو الذي مرج البحرين ) مرج خلى وخلط وأرسل ، يقال مرجت الدابة وأمرجتها : إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء . قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الاخر . وقال ابن عرفة : خلطهما فهما يلتقيان ، يقال مرجته : إذا خلطته ، ومرج الدين والأمر : اختلط واضطرب ، ومنه قوله - في أمر مريج - وقال الأزهري ( مرج البحرين ) خلى بينهما ، يقال مرجت الدابة : إذا خليتها ترعى . وقال ثعلب : المرج الإجراء ، فقوله ( مرج البحرين ) أي أجراهما . قال الأخفش : ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج ، فعل وأفعل بمعنى ( هذا عذب فرات ) الفرات البليغ العذوبة ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف مرجهما ؟ فقيل هذا عذب وهذا ملح ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال . قيل سمي الماء الحلو فراتا لأنه يفرت العطش : أي يقطعه ويكسره ( وهذا ملح أجاج ) أي بليغ الملوحة هذا معنى الأجاج ، وقيل الأجاج البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة ، وقرأ طلحة " ملح " بفتح الميم وكسر اللام ( وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) البرزخ الحاجز والحائل الذي جعله الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمارج ، ومعنى ( حجرا محجورا ) ستر مستورا